ابن الفارض

29

تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )

النبوي بالنسبة إلى الحضرة الإلهيّة ، كالحديدة الأولى بالنسبة إلى المغناطيس جذبه مغناطيس الذات إليها بخاصية المحبّة الأزلية لوليّ بلا واسطة ، ثم أرواح أمّته بواسطة روحه روحا فروحا متعلقة به ، كالحديدات المتعلقة بعضها ببعض إلى الحديدة الأولى ، فكل حديدة ظهر فيها خاصيّة المغناطيس ، فكأنها المغناطيس ، وإن تغاير الجواهران ، وأشار إلى هذه الحالة قوله عليه الصلاة والسلام : « من رآني فقد رأى الحق » « 1 » ، وقول بعض الموحدين من أمته : ( أنا الحق ما أعظم شأني فسبحاني ) ، فما تكلّم به بعض العارفين من كلام ربّاني ونبويّ على طريق الحكاية لا من نفسه [ 28 / ق ] لا يتّجه عليه الإنكار ، وقول الناظم في ما نسب إلى نفسه من الصفات الأحديّة والمقامات المحمدية معمول على هذا الأخير ، فافهم ذلك فإنه من الأسرار العزيزة ينحلّ به كثير من المشكلات . الفصل الثاني في السّكر السكر دهش يلحق سرّ المحب في مشاهدة جمال المحبوب فجأة ، لأن روحانية الإنسان التي هي جوهر العقل لمّا انجذبت إلى جمال المحبوب بعد شعاع العقل عن النفس ، وذهل الحسّ عن المحسوس ، وألمّ بالباطن فرح ونشاط وهزّة وانبساط لتباعده عن عالم التفرقة والتمييز ، وأصاب السر دهش ووله وهيمان دونه لتحيّز نظره في شهود الجمال ، وتسمى هذه الحالة سكرا لمشاركتها السكر الظاهري في الأوصاف المذكورة ، إلّا أن السبب لاستتار نور العقل في السكر المعنوي : غلبة نور الشهود ، وفي السكر الظاهري : غشيان ظلمة الطبيعة ، لأن النور كما يستتر بالنور الغالب بالظلمة يستتر كاستتار نور الكواكب بغلبة نور الشمس ، وقلنا فجأة لأن صدمة نور الجمال في النظرة الأولى أكثر ، وفي النظرات بعدها تقلّ على التدريج ؛ لحصول الأنس بوصول الجنس حتى إذا استقرّ تنازل حال المشاهدة ورجع كل جزء من أجزاء الوجود إلى أصله عاد شعاع العقل إلى عالم النفس والحسّ ، وظهر التمييز بين المتفرّقات من المعقولات والمحسوسات ، وتتسمّى هذه الحالة صحو ، ولهذا المعنى في الشاهد نظير محبوب دخل على محبّه فجأة فأذهله عمّا فيه من الأمر بحيث غاب متحيّرا في مشاهدته عن العقل والتميّز ، فلمّا كرّر النظر إلى محاسنه واستأنس بلقائه

--> ( 1 ) رواه البخاري ( 6 / 2568 ) ، ومسلم ( 4 / 1776 ) .